محمد بن جرير الطبري
607
تاريخ الطبري ( تاريخ الأمم والملوك ) ( دار المعارف )
رجل من مزينه يقال له عبيده بن سفيان ، رحل مع الناس ، حتى إذا غفل عنه انصرف حتى لقى أهل الشام ، فشد بسيفه يضاربهم حتى قتل . قال أبو مخنف : فحدثني الحصين بن يزيد الأزدي ، عن حميد بن مسلم الأزدي ، قال : كان ذلك المزنى صديقا لي ، فلما ذهب لينصرف ناشدته الله ، فقال : اما انك لم تكن لتسألني شيئا من الدنيا الا رايت لك من الحق على ايتاءكه ، وهذا الذي تسألني أريد الله به ، قال : ففارقني حتى لقى القوم فقتل ، قال : فوالله ما كان شيء بأحب إلى من أن القى إنسانا يحدثني عنه كيف صنع حين لقى القوم ! قال : فلقيت عبد الملك بن جزء بن الحدرجان الأزدي بمكة ، فجرى حديث بيننا ، جرى ذكر ذلك اليوم ، فقال : أعجب ما رايت يوم عين الورده بعد هلاك القوم ان رجلا اقبل حتى شد على بسيفه ، فخرجنا نحوه ، قال : فانتهى اليه وقد عقر به وهو يقول : انى من الله إلى الله افر * رضوانك اللهم ابدى وأسر قال : فقلنا له : ممن أنت ؟ قال : من بني آدم ، قال : فقلنا : ممن ؟ قال : لا أحب ان أعرفكم ولا ان تعرفوني يا مخربى البيت الحرام ، قال : فتزل اليه سليمان بن عمرو بن محصن الأزدي من بنى الخيار ، قال : وهو يومئذ من أشد الناس ، قال : فكلاهما أثخن صاحبه ، قال : وشد الناس عليه من كل جانب ، فقتلوه ، قال : فوالله ما رايت واحدا قط هو أشد منه ، قال : فلما ذكر لي ، وكنت أحب ان اعلم علمه ، دمعت عيناي ، فقال : ا بينك وبينه قرابه ؟ فقلت له : لا ، ذلك رجل من مضر كان لي ودا وأخا ، فقال لي : لا أرقا الله دمعك ، ا تبكى على رجل من مضر قتل على ضلاله ! قال : قلت : لا ، والله ما قتل على ضلاله ، ولكنه قتل على بينه من ربه وهدى ، فقال لي : أدخلك الله مدخله ، قلت : آمين ، وأدخلك الله مدخل حصين بن نمير ، ثم لا أرقا الله لك عليه دمعا ، ثم قمت وقام . وكان مما قيل من الشعر في ذلك قول أعشى همدان ، وهي احدى المكتمات ، كن يكتمن في ذلك الزمان :